ظاهرة "التشرميل" إحدى تجليات ثقافة الفقر
.مشاهد مستفزة، تلك التي برزت على صفحات المواقع الاجتماعية لشباب في مقتبل
العمر يحملون سيوفا ،عارضين غنائم من حلي و هواتف يدعون جمعها من غزواتهم
بشوارع المملكة، دونما شعور بخزي أو خوف، حركة جعلت قلوب الكثيرين تجل خوفا
من أناس أضحت الجريمة علامة فخر و سطوة لديهم، وضع دفع برجال الأمن و
الإعلام إلى التحرك لمواجهة ما بات يعرف" بالتشرميل"، لكن المواجهة
المباشرة قد تشفي الغليل متى تعلق الأمر بحالة شاذة، غير أن الأمر هنا
تعداه إلى حجم الظاهرة التي لا يمكن أن تتكاثر و تنمو بل و تستمر دون وجود
وسط مقيت يغذيها، ما يعني وجوب إيجاد مصدر العدوى و محاربته إن أردنا فعلا
القضاء عليها.
و بالعود إلى بعض تصريحات "المشرملين" نجد جلهم يسعى فقط إلى إظهار سطوته و
العلي بلباس و ساعات باهظة الثمن، كما ينحدر معظمهم من مناطق هامشية فقيرة
،حيث ثقافة العنف و الجريمة جزء من المكنونات الشخصية لعدد من المقيمين
بها في السنين الأخيرة ،عكس ما كانت عليه من قبل، إذ شكلت مقام المهاجرين
من البوادي بكل ما حملوه معهم من قيم العيب و العار و نبذ الجريمة، بل أكثر
من ذلك شكلت بعض "كريانات "الدار البيضاء مثلا ،مركزا للمقاومة و مشتلا
للطاقات الفنية و الرياضية ،الواقع الجديد لشباب هذه الأحياء يستفز عقل
المفكر و يشير إلى وجود ثقافة جديدة تسللت عبر السنين بعيدا عن أعيننا
جميعا، حولت المحظور إلى مرغوب و الجريمة إلى وضع طبيعي، فان يسمع ابن فلان
أو علان بالسجن هو أمر عادي، إضافة إلى باقي الظواهر الشاذة المتمركزة
هناك
الناظر إلى الجزء الخفي للماهية الجديدة للهوامش، يجدها متطابقة مع
محددات" ثقافة الفقر" التي عددها الانتروبولوجي" اوسكار لويس" كنتيجة
لأبحاث قام بها بالمكسيك، و يرى هذا الأخير أن" لثقافة الفقر" تجليات عدة
ناتجة عن عوامل اقتصادية اجتماعية ونفسية، تتمثل في قصور المشاركة في
التنمية، سيادة الجهل و اللامبالاة و الاستسلام للواقع، ما يفقد شباب
الفقر القدرة بل حتى الرغبة في الرقي و الخروج من بوتقة الخصاصة ،شعور يدفع
بهم إلى الاستسلام للجريمة كقدر محتوم و عدم المبالاة بعواقبها، الأمر إذن
يتعلق بعوز نفسي فكري أكثر منه مادي.
استنتاجات لويس قد لا تسقط عموديا على الوضع بالمغرب، لكنها تشرح بعضا من
الممارسات الظاهرة" كالتشرميل"، و للإحاطة بجل جوانب الظاهرة خاصة الخفي
منها، على علماء الاجتماع بالمغرب النزول إلى هذه المناطق لفهم و تحليل
الثقافة السائدة هناك ، قصد إيجاد المصل الفعال للحد من جموح الشباب، فالحل
الأمني في مثل هكذا حالات يبقى مؤقتا مع استمرار الظروف المنشأة
"للتشرميل".
مواضيع ومقالات مشابهة

